الخميس، 22 ديسمبر 2011

في سيكولوجية الحب..

في سيكولوجية الحب..


القراءة في سيكولوجية الحب سهلة ميسورة، ليست أبدا كمحاولة محاكاة الناس لفهمه وتطبيقه، فتلك رواية لها فصول، وذلك حديث ذو شجون..
يفسر علم النفس الحب بأنه تطابق قناعاتنا ومخزونات عقلنا الباطن مع مواصفات شخص معين نلتقي به صدفةً، أو بترتيب مسبق. لدى عقلنا الباطن (Subconscious mind) مواصفات وبرمجة معينة للصورة التي يجب أن يكون عليها الأشخاص الذين يجب أن نحبهم، أو نفكر بالارتباط بهم، وتأتي منظومة البرمجة هذه مما اكتسبناه من بيئتنا الأسرية ومحيطنا الاجتماعي (الأصدقاء، المدرسة، وسائل الإعلام). فيستقبل العقل الباطن صورة الأم والأب، وعلاقات الذكور والإناث داخل الأسرة، وسلوك كل منهم حسب جنسه، وتفضيلاتهم لشكل المرأة أو الرجل، وحديثهم عن مواصفات معينة ينبغي توافرها في كلا الجنسين، وكلام الأصدقاء عن مواصفات الفتاة/ الشاب الذي يحلمون بالارتباط به، أو معرفته، والصورة التي تقدمها وسائل الإعلام للمرأة/ الرجل، ويحتفظ بها.
وفي موروثنا الاجتماعي والثقافي والنفسي أزمة كبيرة يستقبلها ويخزنها عقلنا الباطن، تدعى "الكمال". منذ طفولتنا ونحن مطالبون بالأولية، فيجب أن تكون الأول في صفك، وليس هذا فقط بل يجب أن تحصل على معدل 100% وإذا قصرت فلتكن 99.9%!!!!
ومنذ طفولتنا والإعلام يصور الرجل المثالي بأنه الذي يمكنه صنع المعجزات، ويحب بطريقة "الأفلام الهندية" وحديثاً "المسلسلات التركية"، وقوي بشكل يكاد يكون خارق للعادة مثل بوباي -الله يسهل عليه- عندما كان يأكل السبانخ!!
ويصور المرأة الجميلة على أنها "ماليكان"، ليس لديها ربع سم زائد في أي منطقة من جسدها، وطريقتها الوحيدة لتسويق نفسها هي ذلك الجسد ذو المواصفات المثالية. فينخدع بذلك أول ما ينخدع المراهقون وأرباب النظرة السطحية بغض النظر عن أعمارهم.
كل هذه المشاهد والموروثات الاجتماعية رسائل يستقبلها عقلنا الباطن، ويحتفظ بها أعواما طويلة إلى حين استدعائنا لها، والاستدعاء معناه أن تفكر بأمر لم يسبق لك التفكير فيه، أو لم يسبق أن ظهر لعقلك الواعي، فتحضره من عقلك الباطن (اللاوعي) إلى الوعي، وعندها تكتشف أن لديك منظومة كاملة أو منقوصة من المواصفات التي تتمنى أن يكون عليها من تحب. تسبب هذه الرسائل ما يسمى بـ "التشوه المعرفي" أو Cognitive Distortions ، وتأتي هنا تحديدا على شكل عبارات الوجوب، مثل: يجب أن أحصل على المركز الأول، لازم يكون وزني كذا، الفتاة التي سأرتبط بها يجب أن تكون نحيفة، لازم كل الناس تكون معجبة بسلوكي، وغيرها الكثير من العبارات التي تسبب القلق والاضطراب في خيارات الفرد وسلوكه، وبالتالي شخصيته.
ولا يمكن التخلص من مثل هذه التشوهات المعرفية التي تعرضنا لها دون علم أو إذن منا، إلا بالتفكير العقلاني، وتفنيد هذه اللزوميات، واستبدالها بأفكار عقلانية، أكثر تقبلا واعتدالا. مما سيمنحنا فرصا أفضل وأكثر لإيجاد أشخاص يمكننا الانسجام معهم، وسنكون عندها أكثر قدرة على تقبل هؤلاء الأشخاص كما هم، دون أن نشترط عليهم تغيير أنفسهم ليكونوا كما نحن نشاء.
أثناء تفاعلاتنا الاجتماعية يمارس عقلنا الباطن نشاطه في البحث عن شريك تتناسب صفاته وصفات الشريك الذي تسعى منظومتنا لإيجاده، وسواء كان تصرف العقل الباطن، برغبتنا كأن نهدف للبحث عن شريك، أو بدون إدراكنا كالحب الذي يأتي أثناء انهماكنا في عمل آخر، أو ما نسميه صدفة، فإن العقل الباطن يبدأ وبشكل آلي عملية تقييم هذا الشخص بناء على ما ينطبق وما لا ينطبق عليه من شروطنا وأفكارنا وهو ما يسمى في الإرشاد الزواجي بالتوافق أو (Matching criteria)، وبقدر ما تتطابق مواصفات هذا الشخص مع معاييرنا تكون درجة ارتباطنا به ورغبنتا في البقاء معه وقتاً أطول.
ولا يعني هذا بالضرورة أن جميع خياراتنا ستكون خاضعة لمنطق ما اكتسبه عقلنا الباطن من خبرات، ولكن هذا ما يحصل مع أغلب البشر الذي لا يفندون قناعات عقلهم الباطن، ولا يحاولون مشاكستها، أي يتركونها بلا ترويض، حتى تظهر وحدها إلى العقل الواعي أو تتم استثارتها عند الحاجة إليها فقط. وعندما يصل الإنسان إلى درجة من تقبل مواصفات الآخر، وقناعته بأنه أكثر الأشخاص انسجاما مع منظومة معتقداته، فإنه يبدأ بتهيئة نفسه لتقبل فكرة العيش معه، فيعرض عليه الارتباط،وقد يتم هذا أو لا يتم تبعا لظروف أخرى مختلفة.
النمط الأكثر إيجابية من البشر هم أولئك الذي يحاولون تعزيز مكتسبات عقلهم الباطن، وتعديلها بما ينسجم مع رغباتهم وأنماطهم الخاصة، فيدخلون عليها بعض التعديلات التي تخرجها عما هو مألوف لدى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي. وإذا تم ذلك بشكل واعٍ ومدروس وفيه من المزاوجة المنطقية بين الموروث الاجتماعي، واستقلالية الفرد أي ما تعلمه الفرد من مصادر غير تقليدية كقراءاته ومطالعته لتجارب ذات أبعاد أو ثقافات أخرى، فإن هؤلاء ينجحون غالبا في تطوير علاقات ارتباط أكثر إيجابية وتقبلا للآخر مما هي عليه لدى محيطهم الاجتماعي.
وحتى يستمر الحب لا بد أن تحب الآخر كما هو، كما اخترته وعرفته أول مرة، لأنك أحببته هكذا، ومتى بدأت محاولات تعديله وتغييره، فأنت تمارس عملا لا تقبله الطبيعة البشرية، وهو التقييم وإصدار الأحكام، ولا أحد يحب أن تكون سلوكياته وشخصيته موضع مراقبة وتقويم.
البشر الذين نحبهم، أكثر جمالا كما هم، نحن في الواقع نحب ضعفهم وأخطائهم التي يعترفون بها، ويعتذرون عنها في كل مرة، لأن هذا يشعرنا بحاجتهم الدائمة إلينا، وما دمنا نشعر بهذه الحاجة فسنبقى متعاطفين معهم، متسامحين مع أخطائهم، وبالتالي فقد يتغيرون وحدهم عندما نحبهم ونتقبلهم بلا شروط، وبشكل أسرع وأفضل من مئات المحاولات التي نبذلها لتغييرهم، فأهم ما في الحب أنه يمنح صاحبه دافعية لتغيير نفسه بنفسه، ليكون كما يحب الآخر بل أفضل.. _ وهذا لا يعني أن لا يقدم طرفي العلاقة تنازلات إيجابية وواعية، يحترمها ويقدرها كل منهما للآخر، فهذا أساس مهم لحياة سوية تملك مبررات الاستمرار _.
وسنكتشف يوما أن البحث عن الكمال، وعن أشخاص أكثر مثالية كان ضربا من العبث، وجرنا إلى متاعب كثيرة لم تكن في الحسبان.
في روايتيها فوضى الحواس، وعابر سرير، _ وهما من جميل ما قرأت _ تكرر أحلام مستغانمي جملة تقول فيها: "من السهل علينا أن نتقبل موت من نحب على تقبل فكرة فقدانه، واكتشاف أن بإمكانه مواصله الحياة بكل تفاصيلها دوننا".. وهذه العبارة من شديد ما استفزني في روايتيها، لأنني أختلف معها تماما، وأعتبر كلامها هذا شذوذا عن منطق الحب، الذي يتصف بالعطاء، والإيثار، ويصل في بعض حالاته _ وإن كانت لا تُحمد _ لدرجة أن يفقد أحد الطرفين نفسه في الآخر.
فهذه العبارة تحمل مضمونا أصفه شخصيا بأنه أنانية جارحة غير مسؤوله ولا واعية، لأن لا فقد في نظري يوازي فقد الموت، فأنت لن ترى هذا الإنسان ثانية، ولن تسمع صوته، ولن تمسه، ولن تشتم رائحته مرة أخرى.. وبالنسبة لي فإنني أفضل أن يتركني شخص أحببته، حتى وإن كان تركا قاسيا موجعا، وذهب ليعيش حياة جديدة، ممتلئة بالتفاصيل التي يؤلمني تخيُلها، على أن يموت هذا الإنسان، وينقطع وجوده في عالم الحضور..
وأعتقد أن هذا بعد إنساني لا ينبغي أن يغيب أبدا عن ذهن من أحب يوما واحداً، فكيف بمن قضى في الحب سنين؟!
الغريب في الأمر أن هذا ليس منطق أحلام وحدها، ولكنه منطق أناس كُثُر، يرون في الحب امتلاكا ماديا ومعنويا لشخص الشريك، فيختصرون سعادتهم وتفاصيل حياتهم ورغبتهم في مواصلة الحياة على وجود هذا الشريك، ويعتبرون موته أهون عليهم من تحوله إلى حبٍ آخر.. كما فعل الرجل الذي قرأنا قصته على البي بي سي، والذي أقدم على قتل زوجته عندما وجد أنها غيرت حالتها الاجتماعية على صفحة "الفيس بوك" الخاصة بها إلى عزباء، فهو فضّل موتها على أن تتابع حياتها بهناء بعيداً عنه!! وبحسب صديق فهذه كانت الحادثة الثانية من نوعها في بريطانيا.
في هذا النمط من العلاقات يطور أحد الطرفين اعتمادا وتعلقا سلبيا، يتبين في نهاية المطاف أنه كان من طرف واحد، وهذا أفضل!! لأن علاقة كهذه إن كانت من الطرفين، فستتضمن الكثير من الإساءات التي لا يستطيعان تحملها، ولا يمكنهما كذلك الانفصال بسبب نمط الاعتماد والتعلق السلبي الذي يحكم العلاقة؛ وهذا ما يبرر استمرار علاقات قائمة على العنف وامتهان كرامة أحد طرفي العلاقة بشكل مهين ومؤذٍ جدا، ويواجه بقبول ورضا الطرفين سواء كان العنيف أو المُعنَف، وأحيانا يكون العنف متبادلا، وفي جميع الأحوال فإن الاستقرار والسكينة والرحمة أهداف لا يمكن أبدا تحقيقها في علاقات كهذه وبالتالي فالانفصال في هذه الحالات ضرورة.
في سيكولوجية الحب والارتباط موضوعات كثيرة تستدعي الدراسة والمناقشة، وتحتاج لأن يعيها الجميع حتى ينعموا بعلاقات سوية، إيجابية، ويتمكنوا من عيش حياة سعيدة طويلة معا.. وربما نتوقف هنا مرات قادمة، ولكنني كتبت كل ما كتبت تعليقا على حوار دار بيني وبين صديقة، مقتنعة ومؤمنة بما قالته أحلام أعلاه، ولا أريد منها تغيير وجهة نظرها، ولكنني أدعوها لتصور الكون بموت من تحب.. وانقطاع أثره من الوجود..

شارك :

0 comments:

إرسال تعليق

أرشيف المدونة الإلكترونية

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *